عمان والسير على ثوابت النهضة المباركة
إميل أمين - كاتب مصري -
Emileamen@gmail.com -
في ذلك النهار الصعب استرجعنا جميعا الكلمات التي كتبها ذات مرة من ستينات القرن المنصرم أديب فرنسا الكبير «اندريه مالرو» حين أشار الى أن الوطن مودات، ومرة أخرى حين أكد على أن الوطن شراكة أحلام، وقد كان يوم وداع السلطان قابوس موقعا وموضعا لإظهار المودات العمانية وتأكيد شراكة الأحلام التي قال بها مالرو والتي تجلت على خير وجه في كلمة جلالة السلطان هيثم وخطابه الموجه للشعب العماني.
الى أين تمضي دفة سلطنة عمان في قادم الأيام؟
هذه هي علامة الاستفهام التي تشغل المراقبين لشؤون السلطنة وشجونها بعد رحيل السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله وغفر له، وهو تساؤل يبدو بديهيا ومنطقيا في عيون من لا يعرفون مدى النجاحات التي تحققت في الداخل العماني طوال الخمسة عقود الماضية، لا سيما على صعيد النسيج الاجتماعي القوي والشعب العماني المرصوص كالبنيان، بعد أن أرسى السلطان قابوس الوفاء الأساسات الرئيسية ووضع القواعد الثابتة التي تجعل من هذا البلد مثارا للإعجاب حول العالم في الحال والاستقبال.
أعظم ما في التجربة العمانية المعاصرة أنها قادرة على مواكبة أحداث الزمن، ومتابعة صنوف الدهر وتقلباته، فرحيل الأب المؤسس للدولة العمانية الحديثة ربما كان يعني حدوث اهتزاز في البنية التكتونية للسلطنة العمانية، هذا اذا قاس البعض قضية تداول السلطة بقياسات بعض الدول المجاورة في المنطقة المضطربة، الا أن نجاحات الراحل الكبير تتحدث بلسانه بعد مغادرته لعالمنا الفاني إلى عالم البقاء.
يمكن القطع دون أدنى تزيد أن السلطنة دخلت بالفعل المرحلة الثانية من النهضة المباركة، دخلت برجالاتها الذين يفكرون بعزم ويعملون بحزم، وبسلطانها السائر على نهج السلطان الراحل والتأسي بخطاه والحفاظ على ما أنجزه والبناء عليه، من أجل أن ترتقي عمان المكانة المرموقة التي تستحقها أمس واليوم وغدا.
تدخل السلطنة مرحلة جديدة من مراحل العز والكرامة والوفاء، والشاهد أن المتابعة الدقيقة للإعلام الأجنبي منذ الخبر الحزين، من صحافة وتلفزة ووسائط اتصال،عربية وعالمية، يجد أنها أفردت مساحات واسعة من الحديث عن أمر واحد وتساؤل وحيد: هل يوجد نموذج للوفاء حول العالم كما يوجد في سلطنة عمان وكما رأيناه في مسألة اختيار السلطان الجديد؟
بالطبع المقصود هنا هو عدم انتظار ثلاثة أيام لاختيار سلطان للبلاد، والتوجه على الفور الى وصية الراحل الجليل، واعتماد اختياره الأمر الذي يعد أعلى درجات المودة وأنقى درجات الوفاء التي يمكنها أن تسود نظاما من أنظمة الحكم، فلا تنازع أو تشارع، ولا مؤامرات أو مكائد ودسائس، بل وفاء منقطع النظير الى أبعد حد ومد، وفاء يراعي توجهات البناء الكبير للدولة الحديثة، ويمضي في طريق المراكمة الايجابية على إرثه السامي، وهذه عظمة القادة الحقيقيين الذين يخلفون من ورائهم أجيالا قادرة على القيادة والريادة، جيلا بعد جيل، في إطار الحفاظ على مصالح البلاد والعباد.
لن ينسى العمانيون كما لن ينسى العالم ذلك المنظر المهيب ذا المعاني المتعددة على ألمه وقسوة الفراق، حيث جلالة السلطان هيثم بن طارق يحمل نعش السلطان قابوس - طيب الله ثراه - ويمضي به الى مثواه الأخير، وفي هذا المشهد عينه تتجلى القيمة الإنسانية الحقيقية لعمان والعمانيين وتبعث برسائلها في الحكم الرشيد للعالم بشرقه وغربه.
في ذلك النهار الصعب استرجعنا جميعا الكلمات التي كتبها ذات مرة من ستينات القرن المنصرم أديب فرنسا الكبير «اندريه مالرو» حين أشار الى أن الوطن مودات، ومرة أخرى حين أكد على أن الوطن شراكة أحلام، وقد كان يوم وداع السلطان قابوس موقعا وموضعا لإظهار المودات العمانية وتأكيد شراكة الأحلام التي قال بها مالرو والتي تجلت على خير وجه في كلمة جلالة السلطان هيثم وخطابه الموجه للشعب العماني.
الوفاء العماني تمثل واضحا جليا في نظرة الخلف الصالح للسلف الطيب الراحل، فقد اعتبر جلالة السلطان هيثم أن خسارة عمان تمثلت في فقدان أعز الرجال وأنقاهم، رجل لا يمكن لخطاب أن يوفيه حقه، وأن يعدد ما أنجزه وما بناه، فلقد بنى دولة عصرية شهد لها القاصي قبل الداني، وشيد نهضة راسخة تجلت معالمها في منظومة القوانين والتشريعات التي ستحفظ البلاد وتنظم مسيرتها نحو مستقبل زاهر أراده لها، وأقام بنية أساسية غدت محط أنظار العالم، وأسس منظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة وتحقيق التنمية المستدامة، وزيادة الانتاج، وتنويع مصادر الدخل، مما أدى إلى رفع مستوى معيشة المواطن، وأقام هياكل ثابتة ودائمة للتعليم بجميع مستوياته وتخصصاته، فنهلت منه الأجيال، وتشربت علما ومعرفة وخبرة.
ما جاء به جلالة السلطان هيثم يحمل كلمات التأبين للراحل الكريم والكبير، ويمكن الجزم أيضا أنها كلمات من قبيل المحفزات لمواطني السلطنة ومسؤوليها ولكل من يحمل أمانة المسؤولية من أبناء الشعب الكريم، كي تبقى هذه المنجزات واضحة أمام الأعين، وأن يكون الهدف الرئيسي للعمانيين في قادم الأيام هو الاستمرار والاستقرار، الاستمرار في السير على درب النجاح والفلاح، والاستقرار الذي يمكن الأجيال القادمة من الصعود الى الذرى بالتجربة العمانية.
يهتم العالم اليوم بعمان والى أين تسير، ويكتب أحدهم «سايمون هندرسون» مدير برنامج برنستانين لشؤون الخليج في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى عبر الموقع الالكتروني للمعهد غداة رحيل السلطان قابوس يقول:«من المرجح أن تقوم الأطراف الفاعلة الإقليمية باختبار عُمان في الأشهر القليلة القادمة»، وهذا ما قد يكون طبيعيا بالنسبة لمراقب أمريكي، في بلد ينظر الى السلطة وتداول المواقع نظرة براجماتية محضة مفرغة من كل قيم الشرق الفنان، والبداوة الأصيلة وقيم الوفاء والشهامة، والحفاظ على إرث الراحلين عبر وفاء وانتماء القادمين.
ولو كلف السيد هندرسون نفسه قراءة خطاب السلطان هيثم لوجد الجواب، فقد أشار جلالته في خطاب العرش الى أن العزاء الوحيد في رحيل صاحب الجلالة وخير ما يمكن أن تخلد به انجازاته هو السير على نهجه القويم، والتأسي بخطاه النيرة التي خطاها بثبات وعزم الى المستقبل، والحفاظ على ما انجزه والبناء عليه.
يقطع جلالة السلطان هيثم بأن «هذا ما نحن عازمون، بإذن الله وعونه وتوفيقه، على السير فيه والبناء عليه لترقى عمان الى المكانة المرموقة التي أرادها لها، وسهر على تحقيقها فكتب الله له النجاح والتوفيق».
رصد العالم طويلا الأهمية الاستراتيجية التي تلعبها سلطنة عمان على صعيد منطقة ملتهبة مصابة بالقلق في النهار والارق في الليل، منطقة لم تعرف الراحة ولا الاستقرار لعقود طوال ولا تزال على فوهة بركان.
غير أنه ومن مصادفات القدر أن تكون السلطنة وسط هذه الصراعات وسيط سلام، وأداة للوئام، يشهد بذلك القاصي والداني، فقد كانت طرفا فاعلا في العديد من الملفات الدولية والخليجية ولعبت عبر دبلوماسيتها الرائقة والراقية دور حمامة السلام.
وقد قامت عمان وفي وقت مبكر بتسهيل الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والذي أصبح لاحقا الاتفاق النووي المعروف بـ « خطة العمل الشاملة المشتركة»، بل وأبعد من ذلك بكثير فقد حاولت عمان ومنذ أربعين عاما التوصل الى حل لأزمة الرهائن الأمريكيين المعتقلين في السفارة الأمريكية في طهران، الأمر الذي يضاف الى رصيد حسن النية للسلطنة.
يتابع العالم اليوم وباهتمام الخطوط العريضة لسياسة جلالة السلطان هيثم وتأكيداته على ترسم خطى السلطان الراحل وعلى الثوابت التي اختطها لسياسة عمان الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول، وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات، كما وضح السلطان هيثم أن السلطنة سوف تبقى داعما ومساهما في حل الخلافات بالطرق السلمية، وانها ماضية في طريق بذل الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح الوفاق والتفاهم.
كان الدور العماني وسيظل محوريا في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط برمته، والمؤكد أن الحاجة اليه سوف تتزايد في قادم الأيام، فالناظر الى الخريطة الجيوسياسية للمنطقة يصاب بالهلع من كثرة الشقاق والفراق، ما يعني الحاجة أبدا ودوما الى وسطاء الخير والى الفاعلين الجيدين على صعيد دبلوماسية التفاهم والحوار عوضا عن مواجهات النار والدماء التي نراها ومن سوء الحظ سائدة وسائرة في حاضرات ايامنا.
الذين قدر لهم قراءة كلمة جلالة السلطان هيثم بعناية وتؤدة يدركون أن توجهاته ستكون داعمة لجامعة الدول العربية وسوف يسعى الى التعاون مع الأشقاء العرب زعماء وشعوبا لتحقيق أهداف الجامعة، والرقي بحياة المواطنين العرب في كل البقاع والاصقاع، والنأي بهذه المنطقة عن الصراعات والخلافات، والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي يخدم تطلعات الشعوب العربية.
لم يكن للسلطان هيثم أن يغفل أوضاع مجلس التعاون الخليجي وما يعتريها في الفترة الأخيرة، ولهذا فإنه يؤكد على التواصل مع الأشقاء قادة دول مجلس التعاون الخليجي من أجل دفع مسيرة التعاون بين دول المجموعة لدفع منجزات المجلس قدما الى الأمام.
في هذا السياق يلاحظ المرء كيف أن الظرف الأليم أي رحيل السلطان قابوس -طيب الله ثراه-، جعل من السلطنة بين عشية وضحاها قبلة لكل العرب زعماء ومسؤولين، هيئات ومؤسسات، ومن كل العالم العربي ما يؤكد بالقطع أن عمان باتت بأدوارها التقدمية والإنسانية محط رحال العرب.
ولم يقتصر الأمر على الأشقاء العرب، فملوك ورؤساء وزعماء أجانب أدركوا قيمة السلطنة وأهميتها على الصعيد الدولي، حطوا برحالهم للعزاء، وقد بلغت أسماعهم كلمات جلالة السلطان هيثم من أن عمان سوف تواصل دورها كعضو فاعل في منظمة الأمم المتحدة تحترم ميثاقها، وتعمل مع الدول الأعضاء على تحقيق السلم والأمن الدوليين، ونشر الرخاء الاقتصادي في جميع دول العالم.
سلطنة عمان مؤكد انها على موعد مع المرحلة التالية من النهضة المباركة في عهد جلالة السلطان هيثم وبمساعدة وتضافر جهود أبناء عمان الأوفياء وهذا هو التحدي الكبير، وهو أفضل الوفاء لإرث السلطان الراحل.
